مؤسسة آل البيت ( ع )

48

مجلة تراثنا

آثار تلك الإجراءات : ولقد أثرت تلك الإجراءات ما أريد منها ، من منع تدوين الحديث ، ونكتفي نحن بما سجلناه في كتاب " التدوين " من تلك الآثار عن إعادته هنا . ومما قلناه هناك ما نصه : ومهما كانت الأسباب التي دعت إلى منع تدوين الحديث ، إلى جانب منع روايته ونقله ، فإن الأمر الذي ليس لأحد إنكاره هو أن الحديث قد منع - فعلا - كتابة وتدوينا ، ورواية وتحديثا لفترة طويلة ، وقد أثر ذلك آثارا سيئة ، سواء أراد المانعون أم لم يريدوا ! وسواء رضي المدافعون عنهم ، أم غضبوا ! وقد عبر البيهقي عن هذه الآثار - في دلائل النبوة - لما عنون لأحاديث " الأريكة " بقوله : " باب ما جاء في إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بشبعان على أريكته ، يحتال في رد سنته ، بالحوالة على ما في القرآن من الحلال والحرام ، دون السنة ، فكان كما أخبر ، وبه ابتدع من ابتدع ، وظهر الضرر ( 69 ) . وأهم تلك الآثار اختفاء جملة كبيرة من السنة النبوية : وقد فصلنا الكلام عن ذلك ، إلا أنا نذكر بعض الحقائق الواردة هناك : فقرظة بن كعب الذي روى خبر منع عمر لوفد الكوفة عن الحديث ، يقول - بعد نقله لذلك الخبر - : " فما حدثت بشئ ، وقد سمعت كما سمع أصحابي " ( 70 ) . وأبو هريرة يخفي حديثا كثيرا خوفا من تهديدات عمر ، فقد روى عنه المقبري أنه قال : " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم ؟ ! " ( 71 ) . فأي شئ أوجب أن يصير نقل السنة الشريفة سببا لقطع بلعوم شخص مثل

--> ( 69 ) دلائل النبوة 6 / 549 . ( 70 ) سنن الدارمي 1 / 72 ح 285 و 286 . ( 71 ) تذكرة الحفاظ 1 / 35 ، صحيح البخاري 1 / 41 كتاب العلم ، باب حفظ العلم .